أبي طالب المكي

86

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بأداء الفرائض واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة له . فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات ، وهي مخصوصة بمخصوصين ، والأصل في هذا أنّ المحبة ، إذا كانت عن المعرفة فإنّ المعرفة عموم وخصوص ، فلخصوص العارفين خاصة المحبة ، ولعمومهم عموم المحبة . ويروى في الأخبار السالفة : أنّ زليخا لما آمنت وتزوّج بها يوسف عليه السلام ، انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت ، فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل ، فإذا دعاها ليلا سوّفته نهارا فقالت : يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه ، فأما إذا عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه ، وما أريد به بدلا حتى قال لها : فإنّ الله أمرني بذلك ، وأخبرني أنّه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين فقالت : ، أما إذا كان الله أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه فطاعة لأمر الله ، فعندها سكنت إليه . وقال بعض العلماء بالله : إذا تم التوحيد تمت المحبة ، وإذا جاءت المحبة تم التوكَّل ، فتم إيمانه وخلص فرضه وسمّي ذلك يقينا . وقال الفضيل بن عياض في فرض المحبة : إذا قيل لك : تحبّ الله ؟ فاسكت فإن قلت : لا ، كفرت وإن قلت : نعم ، فليس وصفك وصف المحبين ، فاحذر المقت . وقال بعض علمائنا : ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ، ولا في جهنم عذاب أشدّ من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ، ولم يتحقق بشيء من ذلك . وقال عالم فوقه : كل أهل المقامات يرجى أن يعفى عنهم ويسمح لهم إلا من ادعى المعرفة والمحبة ، فإنهم يطالبون بكل شعرة مطالبة ، وبكل حركة وسكون وكل نظرة وخطرة لله وفي الله ومع الله ، واعلم أنّ المحبة من الله لعبده ليست كمحبة الخلق ، إذ محبة الخلق تكون حادثة لأحد سبع معان ، لطبع أو لجنس أو لنفع أو لوصف أو لهوى أو لرحم ماسة أو لتقرب بذلك إلى الله . فهذه حدود الشيء الذي يشبهه الشيء ، والله يتعالى عن جميع ذلك لا يوصف بشيء منه إذ ليس كمثله شيء في كل شيء ولأن هذه أسباب محدثة في الخلق لمعان حادثة ومتولدة من المحبين لأسباب عليهم داخلة . وقد تتغير الأوقات وتنقلب لانقلاب الأوصاف . ومحبة الله سابقة للأسباب عن كلمته الحسني ، قديمة قبل الحادثات عن عنايته العليا ، لا تتغير أبدا ولا تنقلب لأجل ما بدا لقوله تعالى : إنّ الذين سبقت لهم منا الحسني ، يعني الكلمة الحسني ، وقيل المنزلة الحسني فلا يجوز أن يسبقها سابق منهم بل قد سبقت كل سابقة ، تكون : كقوله تعالى : * ( ولَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ من قَبْلُ وكُنَّا به عالِمِينَ ) * [ الأنبياء : 51 ] . فكذلك قال : هو سماكم المسلمين من قبل . وقال تعالى : * ( لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * [ يونس : 2 ] . وقال تعالى في آخر آياتهم : * ( في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ